المنبجيّة المدخّنة: تحليل صورة

9e82284f-196a-48d6-a3e4-c11c545b5cbc

أثارت الصور القادمة من منبج بعد تحريرها من «داعش» كثيراً من الجدال. وهي صور يعبّر معظمها عن فرحٍ بزوال سلطةِ «داعش» كما تجلّت على المستوى اليومي: إماطةُ النساء الحجاب المفروض، وحرقهن الجلابيب القسرية، وقصّ الرجال اللحى الإجباريّة، والتدخين. قيل الكثير عن هذه الصور، خصوصاً صورة الصبيّة المتجلببة التي رفعت نقابها وراحت تمجّ نفساً عميقاً من سيجارة، رافعةً بيسراها شارة النصر.
فَرِح بهذه الصور كثيرون، وابتهج بها بعضهم مع تحفّظ، ورفضها من يوافقون «داعش» في أحكام اللباس والسلوك، ورأى فيها آخرون حلقةً من خطة إعلامية تتبعها القوات الكردية وأميركا التي تدعمها، بهدف صرف الأنظار عن مجازر طائرات «التحالف» الذي تقوده أميركا، وعن دمار منبج المهول.
لكن ثمّة إمكانية لتقديم قراءة أخرى لهذه الصور تفضي إلى رؤى واستخلاصات مغايرة تماماً. فالمشترك في هذه الصور هو التهليل للخلاص من سلطة «داعش» التي لم تكن حاضرة على المستوى السياسي وحده، مستوى إدارة الشؤون العامة، بل أيضاً على المستويين الإيماني والبدني اليوميين الجماعيين والفرديين، على نحو يكاد يداني ما قاربه ميشيل فوكو بمصطلح «السياسات الحيوية» التي تُعنى بإدارة أجساد السكان وحياتهم في الرأسمالية الحديثة، إنّما مع إجراء التعديلات اللازمة التي يقتضيها الوجود في قبضة «داعش» وفي بلدة ريفية من بلد رأسمالي متخلف.
يدفعنا هذا إلى مقارنةٍ لا أتردد في وصفها بالمخجلة، إذ تشير إلى ما انحططنا إليه بعد هذه الحرب الكارثية وبمعيّة أطرافها. ومع أنَّ هذه المقارنة المقتضبة المزمعة (بين الديكتاتورية ونظام «الدولة الإسلامية») لا تمنح شرفاً، أيَّ شرفٍ، لأيٍّ من طرفيها، فإنها تبقى ضرورية سياسياً ومعرفياً، كما تبقى كاشفةً لتوجهاتٍ شعبوية هي، بعد الأنظمة، من أشدّ المساهمين في الوصول إلى ما وصلنا إليه، فضلاً عن كونها الأشدّ نخبوية والأبعد عن الشعب الذي تنافقه والأكثر خلطاً للمفاهيم مستغلةً حجم الآلام الرهيب الذي يساعد على حجب أيّ تمييزٍ ضروري.
تُمارَسُ الديكتاتوريةُ التي هي شكل محدد للحكم، من خلال الإثخان بخصومها السياسيين، سواء اقتضى ذلك مجرد اعتقالات عابرة أم محق مدن بأكملها إذ تبدي خروجها السياسي. وحتى لو كانت الديكتاتورية ذات طابع إثني و/أو طائفي، مثلاً، فإنها لا تقتل لأسباب إثنية أو طائفية أساساً، بل لأسباب سياسية، وتضمّ تحت سيطرتها مختلف الإثنيات والطوائف. بالمقابل، تُثْخِن «داعش» وأشباهها الكثر ـ الذين لا أجد لهم اسماً أفضل من الفاشية ـ بكلِّ مختلفٍ عنها وخارجٍ عن قواعد إدارتها للأبدان والإيمان، كائناً من كان، ومهما تكن إثنيته وطائفته وسياساته.
بهذا المعنى، يفوق حجمُ البشر الذين تثخن بهم هذه الفاشية حجمَ البشر الذين تثخن بهم الديكتاتورية بأضعاف، برغم ما تبديه حالات الحرب والثورة من نقيض هذه القاعدة. فالحالة العادية للديكتاتورية هي الإثخان بالنخب السياسية والعسكرية المعارضة، بخلاف الفاشية التي تثخن بكلِّ مختلفٍ من العامة والنخب.
ثمة، بالطبع، فروق عديدة أخرى لا يتّسع لها المجال. لكن ذلك كلّه لا يعني مطلقاً سوى أننا نريد دحر الديكتاتورية لا لنحلّ محلّها فاشيةً أسوأ ساهم في التمهيد لها وتبريرها شعبويون «ليبراليون» و «يساريون» لا يُحصون. ولأنَّ هؤلاء سدّوا عقولهم، وأدمنوا صيد المياه العكرة، فإنّه ليس عليهم، إذ يفسّرون الكلام هنا على النحو البائس المُنْتَظَر منهم، سوى أن يسألوا أولئك الشعبويين الذين أضاعوا الفوارق ومعانيها السياسية والحياتية، عن عواقب فعلتهم هذه، ليس لدى «داعش» فحسب، بل لدى رفاقهم الأحبّة من «الإسلاميين المعتدلين» و «الجيوش الحرّة» أيضاً.

via ثائر ديب: المنبجيّة المدخّنة: تحليل صورة :: رأي | جريدة السفير

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s